العمل السياسي بدار الكبداني: بين تدبير الواقع وبناء الفعل السياسي

أثارت الانتخابات الأخيرة بدار الكبداني نقاشا سياسيا تجاوز، في بعض جوانبه، حدود تقييم النتائج والممارسات الانتخابية، ليمتد إلى إصدار أحكام عامة على الساكنة وتحميلها مسؤولية ممارسات منسوبة إلى بعض الفاعلين أو الناخبين.
وتتداول بعض الخطابات اتهامات مرتبطة باستعمال المال الانتخابي أو التأثير في إرادة الناخبين. غير أن المقاربة السياسية الرصينة تقتضي التمييز بين الادعاء والواقعة المثبتة، وبين النقاش السياسي والمسؤولية القانونية. فالوقائع الانتخابية لا تحسم بالتداول الإعلامي أو الخطاب السياسي، وإنما بالأدلة والتحقيقات والآليات المؤسساتية والقانونية المختصة.
ومن هذا المنطلق، فإن اختزال ساكنة دار الكبداني في موقف انتخابي موحد يمثل تبسيطا لواقع اجتماعي وسياسي متعدد. فالساكنة ليست كتلة متجانسة، بل تتكون من أفراد وجماعات تختلف مصالحهم وتصوراتهم واختياراتهم السياسية. ولذلك، فإن تحميل المجتمع بأكمله مسؤولية ممارسات مفترضة لبعض أفراده يطرح إشكالا حقيقيا على مستوى المسؤولية السياسية والأخلاقية.
إن التحليل الجاد للانتخابات لا ينبغي أن يتوقف عند سؤال: من صوّت لمن؟ بل يتعين أن ينتقل إلى أسئلة أعمق: ما العوامل الاجتماعية والاقتصادية التي تؤثر في السلوك الانتخابي؟ وما طبيعة العلاقة بين المواطن والفاعل السياسي؟ وكيف يمكن الانتقال من منطق الاستقطاب الانتخابي إلى بناء ممارسة سياسية قائمة على الوعي والمساءلة والمشاركة؟
وفي حالة وجود خروقات انتخابية، فإن المدخل المؤسساتي يظل هو الأساس: تحديد الوقائع، وتقديم الأدلة، وتحديد المسؤوليات، وترتيب الآثار القانونية على من تثبت مسؤوليته، بدل اللجوء إلى التعميم أو تحميل جماعة اجتماعية كاملة مسؤولية أفعال أفراد محددين.
إن الرهان الحقيقي في دار الكبداني لا يكمن فقط في تغيير موازين القوى خلال الاستحقاقات الانتخابية، وإنما في إعادة بناء العلاقة بين المواطن والسياسة. فالمواطن ليس مجرد رقم انتخابي، والعملية السياسية لا ينبغي أن تختزل في الحصول على الأصوات، بل في بناء الثقة والمشاركة والقدرة على مساءلة المنتخبين والفاعلين العموميين.
وعليه، فإن بناء فعل سياسي محلي أكثر نضجا يقتضي الانتقال من سياسة تدبير الانتخابات إلى سياسة بناء الوعي السياسي، ومن التعامل مع المواطن باعتباره وسيلة للوصول إلى السلطة إلى اعتباره فاعلا أساسيا في إنتاج القرار العمومي.
فالاختلاف في الاختيارات الانتخابية جزء طبيعي من التعدد السياسي، أما تحويل هذا الاختلاف إلى اتهام جماعي فيمثل عائقا أمام بناء نقاش عمومي عقلاني ومسؤول.
إن مستقبل العمل السياسي بدار الكبداني لا يبنى بتبادل الاتهامات، وإنما بترسيخ ثقافة سياسية تجعل المواطن حرا في اختياره، واعيا بحقوقه، وقادرا على مساءلة من يطلب صوته.
القضية قضية تراكمات ….
✍🏻 ذ طارق الإدريسي



