أخبار عامة

رشيد صفـَـر: هل يتحول التنازل عن حقوق المؤلف المقهور إلى اتجار بالبشر!؟

أن نشرنا بموقع أنفاس بريس مقالا بعنوان : «مخرج أمازيغي يشتغل في حانة ومؤلف يعمل بائعا متجولا»، بناء على تدوينة للصحافي والناقد الفني توفيق ناديري، تفاعل العديد من الفنانين والمهنيين في القطاع السمعي البصري مع المقال، وكشفت التعليقات عن وجه آخر من الأزمة، لا يقل قسوة عن البطالة والهشاشة المهنية.
ومن بين التعليقات التي شدت الانتباه، تعليق مؤثر لأحد المتفاعلين :
«صحيح وضع الفنانين والمؤلفين والملحنين مزر، وبعضهم تستغل هشاشته للتنازل عن أعماله»..
عبارة قصيرة، لكنها تفتح بابا واسعا للأسئلة.
فإذا كان الفنان لا يجد عملا، والمؤلف لا يجد من ينتج نصه، والملحن يعيش على هامش القطاع، والمخرج يضطر إلى البحث عن مورد رزق خارج المهنة، فماذا يحدث عندما يأتي شخص ما في لحظة الحاجة ليقول لفنان مقهور يعيش العوز والحاجة ولا يجد مورد رزق قار لإعالة أسرته : “أعطني عملك مقابل مبلغ زهيد، أو تنازل عن حقوقك، أو لن تجد مكانا لك في هذا السوق !؟”..
أو : “سآخذ عملك وأنسبه لنفسي ولن يصعد اسمك في الجينيريك وسأمنحك (شي بركة)”.
هل نحن أمام مجرد عقد غير متكافئ !؟..
أم أمام استغلال اقتصادي للهشاشة !؟..
أم أن بعض الحالات قد تتجاوز ذلك إلى مستوى أخطر يستحق أن يطرح معه السؤال حول الاتجار بالبشر !؟..
المشكلة ليست في أن يبيع الفنان عملا من أعماله، ولا في أن يتفق المؤلف مع منتج على استغلال نصه، فهذه هي طبيعة الصناعة الفنية.
المشكلة تبدأ عندما يصبح الفقر هو السبب في قهر الفنان وتسلط الطرف الآخر.
فالفنان الذي يملك القدرة على رفض العرض يستطيع التفاوض، أما الفنان الذي لا يملك ثمن كراء المنزل أو مصاريف إعالة أسرته، قد يجد نفسه أمام اختيار صعب : إما أن يقبل بالشروط المفروضة أو يحرم من حقوقه الكاملة، وإما أن يحتفظ بعمله ويعود إلى بيته خالي الوفاض.
وهنا يصبح السؤال : هل كل كل توقيع للتنازل عن حقوق المؤلف يعبر بالضرورة عن إرادة حرة !؟..
فالتوقيع على الورق شيء، والقدرة الحقيقية على التفاوض شيء آخر.
والأخطر أن بعض أصحاب المواهب قد يتنازلون، بسبب الحاجة، عن حقوقهم في أعمال استغرق إنجازها سنوات من حياتهم، ثم يرون أعمالهم تحقق قيمة مادية ومعنوية أكبر بكثير مما حصلوا عليه.
ليس كل عقد مجحف اتجارا بالبشر، وليس كل تنازل عن حقوق المؤلف جريمة من هذا النوع.
لكن عندما تقترن الهشاشة بوسائل أخرى، مثل الإكراه أو التهديد أو الخداع أو استغلال وضعية الضعف بهدف إخضاع الشخص للاستغلال، فإن المسألة تدخل في منطقة قانونية أكثر خطورة.
وهنا يصبح قانون مكافحة الاتجار بالبشر جديرا بأن يكون حاضرا في النقاش.
فالمشرع المغربي لم يحصر الاستغلال في صور معينة فقط، وإنما تناول ضمن صور الاستغلال العمل القسري والسخرة والاستعباد والممارسات الشبيهة بالرق، وغيرها من صور الاستغلال التي تمس حرية الإنسان وكرامته.
لذلك يمكن القول إن استغلال فنان للتنازل عن عمله هو «اتجار بالبشر»، أذا تم إتباث وقائع محددة وأدلة تحقق الشروط القانونية للجريمة.
لكن يمكن، بل ينبغي، أن نطرح السؤال:
متى يتحول استغلال هشاشة الفنان من مجرد صفقة غير عادلة إلى استغلال يمس إرادته وكرامته وحريته !؟.
هناك أيضا مشكلة أعمق في بعض ممارسات الصناعة السمعية البصرية. فالعمل الفني لا يبدأ عند لحظة التصوير.
وراء الفيلم أو المسلسل أو الأغنية فكرة، ونص، وكتابة، ولحن، وإبداع، ووقت، وتجربة شخصية، وأحيانا سنوات من الانتظار قبل أن يجد العمل طريقه إلى الشاشة.
ومع ذلك، قد يتعامل البعض مع صاحب الفكرة أو النص أو اللحن كما لو أنه مجرد مادة خام قابلة للاستبدال.
والأسوأ حين يصبح صاحب العمل نفسه الحلقة الأضعف في سلسلة الإنتاج، بينما تنتقل القيمة الاقتصادية للعمل إلى حلقات أخرى أكثر قوة وقدرة على التفاوض.
هنا لا يتعلق الأمر فقط بحماية الفنان من البطالة.
بل يتعلق الأمر بحماية القيمة الاقتصادية والفكرية للإبداع.
لقد آن الأوان لفتح نقاش مهني وقانوني هادئ حول ما يحدث خلف العقود.
كم من فنان تنازل عن حقوقه لأنه كان محتاجا !؟..
كم من مؤلف وقع على عقد لم يكن يملك فيه أي قدرة حقيقية على التفاوض !؟..
كم من ملحن أو كاتب أو مخرج باع عمله بأقل من قيمته لأنه كان أمام خيارين : التنازل أو الانتظار دون جدوى !؟..
وكم من عمل فني أصبح يدر أرباحا على الآخرين، بينما صاحبه الأصلي لا يزال يبحث عن عمل في مجالات أخرى !؟..
هذه أسئلة ضرورية تخاطب الوازع الإنساني والترسانة القانونية، لأن هشاشة الفنان لا ينبغي أن تتحول إلى فرصة للاستحواذ على إبداعه بأبخس الأثمان أو بدون مقابل.
إذا كانت الدولة تضع دفاتر تحملات وتمول أو تدعم مشاريع سمعية بصرية، وإذا كانت هناك مؤسسات تعنى بحقوق المؤلف والحقوق المجاورة، وإذا كانت الصناعة الثقافية أصبحت جزءا من الاقتصاد الوطني، فإن حماية المبدع لا يمكن أن تبقى مجرد شعار.
المطلوب هو أن يعرف الفنان حقوقه، وأن تكون العقود واضحة، وأن تكون التنازلات محددة، وأن تكون قيمتها متناسبة مع الحقوق التي يجري التخلي عنها، وأن يجد صاحب العمل جهة يلجأ إليها عندما يشعر بأنه تعرض للاستغلال.
أما ترك المبدع وحيدا أمام الحاجة، ثم مطالبته بأن يكون «محترفا» في التفاوض، بينما الطرف الآخر يملك المال والإنتاج والسوق والعلاقات، فذلك يضعنا أمام اختلال واضح في ميزان القوة.
وفي النهاية، ربما يكون السؤال الأكثر إزعاجا هو :
عندما يصبح الفقر هو الذي يفاوض نيابة عن الفنان، فهل يكون التنازل الذي وقعه على الورق تعبيرا عن إرادته فعلا، أم مجرد ثمن دفعه مقابل البقاء على قيد المهنة !؟..
وربما هنا بالضبط يبدأ النقاش الحقيقي…
ليس عن قيمة العمل الذي تنازل عنه الفنان فقط، بل عن قيمة الإنسان الذي يقف خلف ذلك العمل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى