أخبار عامة

من أخطاء الدراما إلى تمطيط الوثائقيات: من يراقب المديرية المركزية للإنتاج بالشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة؟

لم تعد الاختلالات التي تطفو على سطح الإنتاج التلفزيوني بالشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة مجرد هفوات عابرة أو اختلافات في التقدير الفني، بل أصبحت تطرح أسئلة جدية حول المسؤولية المفترضة للإدارة المركزية للإنتاج، ومدى احترامها لمعايير الجودة وتكافؤ الفرص بين شركات الإنتاج، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالسلطة التي يملكها المسؤول المركزي في التأشير على بث الأعمال أو إعادتها للتصحيح أو تمديدها ،كما يطرح الأسئلة الجوهرية حول الجمع الطريف والعبثي المستمر بين البث والإنتاج ومدى تحقيق هذا اللم المستظرف للأهداف المؤطرة له،باستحضار الانحدار غير المسبوق في مستوى أداء القناة الأولى إشهاريا و جودة وتكافؤا للفرص ،،على الرغم من الميزانية الضخمة التي تخصصها الدولة لهذه القناة.
فخلال رمضان الماضي على سبيل الاستئناس لا الحصر في شواهد متعددة أخرى، أعادت بعض الأخطاء التي أثيرت بشأن الأعمال الدرامية المعروضة على القناة الأولى، من قبيل اختلالات «الفو راكور» وغياب استمرارية اللقطات وعيوب المونتاج والصوت والصورة وضعف السيناريو وعبثية بعض المخرجين ، فتح النقاش حول نجاعة المراقبة السابقة للبث. ولعل ما أثير بشأن مسلسل «عش الطمع»، مثلا بعد ظهور وثيقة إدارية رسمية لوزارة الداخلية داخل أحد مشاهده، قُدمت باعتبارها وثيقة طلاق، يختزل جانباً من هذه الإشكالية وهذا الإهمال الخطير. فكيف تمر مثل هذه التفاصيل عبر التصوير والمونتاج والمراجعة، ثم تجتاز لجنة المشاهدة لتصل إلى الشاشة العمومية؟ وإذا كانت الشركة المنتجة مسؤولة عن جودة عملها، فمن يتحمل مسؤولية التأشير على بثه رغم ما قد يشوبه من أخطاء قابلة للرصد والتصحيح؟ بث تلك الوثيقة بشكل عبثي كان يستحق قرارا صارما في حينه،لعدم إعطاء الانطباع الواهم
أن هناك أسماء يمكن أن تكون خارج سلطة العقاب.
غير أن السؤال الأكثر إحراجاً لا يتعلق بوقوع الأخطاء وحده، بل بكيفية التعامل معها.
إذ تتحدث مصادر متعددة من داخل المؤسسة عن تفاوت محتمل في التعاطي مع الاختلالات المرصودة قبل البث، فبينما يُقال إن بعض الأعمال يُسمح بمرورها رغم الملاحظات المسجلة بشأنها، تواجه أعمال أخرى تدقيقاً أشد وتُعاد إلى أصحابها للتصحيح. وإذا صحت هذه المعطيات المقلقة ، فإن الأمر لا يتعلق بمجرد اختلاف في التقدير المهني، بل يطرح إشكالاً حقيقياً حول وحدة المعايير وتكافؤ الفرص، ويستدعي توضيحاً مؤسساتياً يستند إلى التقارير والقرارات الموثقة.
والمفارقة أن هذه التساؤلات لا تقف عند الدراما، بل تمتد إلى بعض البرامج المقدمة باعتبارها وثائقيات، بينما يبدو محتواها، في حالات تثير النقاش، أقرب إلى روربطاجات رديئة مطولة جرى تمديدها وتمطيطها باللقطات والتعليقات المتكررة لاستكمال المدة التعاقدية المحددة في 26 أو 52 دقيقة. فالوثائقي ليس روبورتاجاً أُطيل زمنه، ولا تُقاس قيمته بعدد الدقائق التي يملؤها، بل بعمق البحث وجودة المعالجة وتماسك البناء السردي. وعندما يتحول الزمن التعاقدي إلى غاية في حد ذاته، يصبح من المشروع التساؤل عما إذا كان المحتوى النهائي يستجيب فعلاً للمشروع الذي حظي بالانتقاء،والطامة أن المشروع يقدم فارغا ،إلا من أسماء الحلقات، في مرحلة التمديدات .
وهنا تبرز المسؤولية الحقيقية والمفترضة للإدارة المركزية للإنتاج، التي يفترض أن تسهر على مطابقة الأعمال النهائية للمشاريع المنتقاة والالتزامات التعاقدية فنيا وتقنيا. فما جدوى لجنة الانتقاء إذا كان المنتوج النهائي يبتعد عن التصور الذي اختير على أساسه؟ وما جدوى لجنة المشاهدة إذا لم تكن ملاحظاتها حاسمة في تحديد ما إذا كان العمل سيُقبل أو سيُعاد إلى الشركة المنتجة لإصلاح عيوبه؟
والأهم، بأي معايير يؤشر المسؤول المركزي على عمل ما،حسب ما يتردد، بينما يقرر إعادة عمل آخر للتصحيح، ومن يراقب مدى احترام هذا الشخص لمبدأ المساواة في تطبيق هذه المعايير،إذا ما افترضنا حدوث أي خلل محتمل؟ وما مصير الاجتماع مع المنتجين لدراسة وتفصيل ما يصورون!! ومن المسؤول عن بث إنتاجات فيها أخطاء جسيمة أو لقطات معيبة أخلاقيا.
إن سلطة التأشير ليست امتيازاً شخصياً مطلقا كشيك على بياض، بل مسؤولية مؤسساتية تفرض الشفافية والتعليل وحماية المال العام والخروج للتوضيح في حالة خروقات البث أو رداءة الإنتاج . وإذا كانت بعض الشركات تستفيد، وفق ما تتداوله مصادر داخلية، من تساهل غير مبرر رغم ما أثير حولها من خروقات واختلالات وصل بعضها للقضاء ، بينما تواجه شركات أخرى تشدداً أكبر، فإن المطلوب ليس إطلاق الأحكام على عواهنها أو الاختباء وراء المكاتب المكيفة، بل كشف المعايير التي تحكم هذه القرارات، وتوضيح أسباب قبول الأعمال رغم الملاحظات المسجلة بشأنها، أو إعادتها للتصحيح في حالات أخرى. فالتلفزيون العمومي ليس مجالاً للمحاباة أو التحامل، وجودة المنتوج يجب أن تكون المعيار الحاسم، بعيداً عن هوية الشركة المنتجة وطبيعة علاقاتها .
إن مساءلة المسؤول المركزي للإنتاج،قبل تقاعده الوشيك ، تبدأ من حق الرأي العام والمهنيين في معرفة كيفية تدبير هذه السلطة، ومدى خضوع قرارات التأشير وإعادة التصحيح لمعايير واضحة وموحدة. فالمؤسسة التي تحترم المال العام لا تكتفي بإنتاج البرامج وبثها، بل تضمن أن تكون مطابقة لما تعاقدت عليه،وليس بالمعنى التقني التافه ودقائق البث والقول الرديء:لقد طورنا ما طورنا، وأن تخضع جميع الشركات للمستوى نفسه من الرقابة والمحاسبة ماليا وتقنيا وفنيا للتعامل معها أو الاستمرار في ذلك،.
هذه حلقة أولى في سلسلة ملفات واختلالات أخرى سنتناولها تباعاً، استناداً إلى المعطيات والوثائق المتاحة، لكشف مكامن الخلل وطرح الأسئلة التي تستوجب أجوبة واضحة، وترتيب المسؤوليات في إطار الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة،بكل تجرد ومسؤولية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى