أخبار عامة

لماذا لا يملكُ العرايشي جرأة المنصوري ويعفي بطل «تضارب المصالح» ورئيسة «لجنة الريع»؟

لماذا استطاعت فاطمة الزهراء المنصوري أن تتخذ قراراً جريئاً بإنهاء مهام وزيرة منتدبة، بينما لا يزال فيصل العرايشي، الرئيس المدير العام للشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة، مطالباً بتقديم أجوبة واضحة للرأي العام حول ما يثار من جدل بشأن تدبير بعض الملفات داخل المؤسسة، وعلى رأسها ملف الإنتاج السمعي البصري وصفقات الشركة؟

السؤال لم يعد يتعلق فقط بطريقة تدبير مؤسسة إعلامية عمومية، بل بمدى استعداد المسؤولين عن هذا القطاع لتحمل مسؤولياتهم السياسية والإدارية والأخلاقية، ووضع حد لكل الممارسات التي تثير الشبهات وتضع مصداقية المرفق العمومي على المحك.

ففي الوقت الذي أعاد فيه قرار إعفاء مديحة خيير النقاش حول المسؤولية وربطها بالمحاسبة إلى الواجهة، تبدو الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة في حاجة إلى قرار مماثل من حيث الجرأة، قرار يضع حداً لحالة الانتظار، ويفتح الباب أمام مراجعة شاملة لأساليب التدبير، خصوصاً في الملفات المرتبطة بالإنتاج الخارجي والصفقات العمومية.

لقد ظلت مسألة تضارب المصالح في مجال الإنتاج السمعي البصري من الملفات التي تستوجب أقصى درجات الشفافية والوضوح، بالنظر إلى حجم الأموال العمومية المرصودة للإنتاج، وإلى تعدد الشركات المتنافسة على الاستفادة من الطلبيات والصفقات. وحين تثار تساؤلات بشأن استفادة شركات من هذه الصفقات، أو بشأن وجود علاقات عائلية قد تطرح إشكالات تتعلق بتكافؤ الفرص، فإن واجب المسؤول الأول عن المؤسسة يقتضي تقديم التوضيحات اللازمة، وضمان إخضاع كل العمليات للمراقبة والتدقيق.

وفي هذا السياق، تبرز التساؤلات المتداولة بشأن استفادة شركة مرتبطة بزوجة مسؤول عن موقع SNRT News من صفقات الإنتاج العمومي. وهي تساؤلات، مهما كانت طبيعتها، لا ينبغي أن تواجه بالصمت أو التجاهل، بل بتوضيحات مؤسساتية دقيقة تكشف حقيقة المعاملات، ومدى احترامها للقوانين والضوابط الجاري بها العمل، وتؤكد أن المال العام لا يخضع لمنطق الامتيازات أو العلاقات الشخصية.

فالمسألة هنا ليست إصدار أحكام مسبقة على أشخاص أو شركات، وإنما ضمان ألا تتحول العلاقات العائلية أو المهنية إلى مصدر للشك في نزاهة تدبير الصفقات. والقاعدة بسيطة: كلما تعلق الأمر بالمال العام، وجب أن تكون قواعد الشفافية وتكافؤ الفرص أكثر صرامة، وأن تكون المسؤولية أكثر وضوحاً.

أما الملف الثاني، فيتعلق برئيسة لجنة الانتقاء التي أثارت طريقة اشتغالها، بحسب الانتقادات والتساؤلات المتداولة، جدلاً بشأن معايير الاختيار ومدى احترام مبدأ تكافؤ الفرص بين شركات الإنتاج. فحين تصبح لجنة الانتقاء موضوعاً للنقاش العمومي، وتثار بشأن قراراتها تساؤلات حول استقلالية المعايير وشفافية المساطر، فإن المطلوب ليس إغلاق باب النقاش، بل الكشف عن حقيقة ما جرى، ونشر المعايير المعتمدة، وتوضيح كيفية اتخاذ القرارات.

إن أي لجنة مكلفة بالانتقاء داخل مؤسسة عمومية مطالبة بأن تكون فوق الشبهات، وأن تقدم الدليل على أن قراراتها تستند إلى الجودة والاستحقاق والمنافسة النزيهة، لا إلى الصداقة أو القرب أو العلاقات الخاصة. وإذا ثبت وجود إخلالات أو تجاوزات، فإن ترتيب المسؤوليات يصبح واجباً مؤسساتياً لا يقبل التأجيل.

ومن هنا، فإن السؤال الموجه إلى فيصل العرايشي ليس سؤالاً شخصياً، بل سؤال مسؤولية: إلى متى ستظل الملفات المثيرة للجدل داخل الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة تنتظر توضيحات حاسمة؟ ولماذا لا تبادر الإدارة العليا إلى فتح افتحاص مستقل وشامل لملفات الإنتاج والانتقاء، وترتيب الآثار الإدارية اللازمة بناءً على نتائجه؟

لقد أظهرت التجربة أن المؤسسات لا تستعيد ثقة الرأي العام بالبيانات العامة وحدها، وإنما بقرارات ملموسة، وإجراءات واضحة، واستعداد فعلي للمحاسبة. والجرأة الحقيقية ليست في اتخاذ قرارات تحت ضغط اللحظة، بل في مواجهة الاختلالات مهما كانت مواقع المعنيين بها، وضمان ألا يكون أي مسؤول بمنأى عن المساءلة.

إن المطلوب اليوم من العرايشي هو أن يتعامل مع هذه الملفات بالجدية التي تفرضها مسؤولية إدارة مؤسسة إعلامية عمومية، وأن يضع حداً لكل مظاهر الغموض التي تسيء إلى صورتها، من خلال افتحاص الصفقات المثيرة للجدل، والتحقق من حالات تضارب المصالح المحتملة، ومراجعة طريقة اشتغال لجان الانتقاء، مع اتخاذ القرارات المناسبة متى أثبتت التحقيقات وجود إخلالات.

فالشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة ليست ملكية خاصة، ولا مجالاً لتوزيع الامتيازات، وإنما مؤسسة عمومية تمولها أموال المغاربة، ومن حقهم أن يعرفوا كيف تُصرف ميزانيتها، وكيف تُختار شركات الإنتاج، وعلى أي أساس تُمنح الصفقات.

لقد اختارت فاطمة الزهراء المنصوري، في ملفها، اللجوء إلى قرار الإعفاء، وهو ما أعاد طرح سؤال الجرأة السياسية والإدارية. أما العرايشي، فإن الرهان المطروح أمامه هو أن يثبت أن إدارة المؤسسات الإعلامية العمومية قادرة بدورها على الانتقال من منطق تدبير الأزمات إلى منطق المحاسبة والإصلاح.

إن إنهاء حالة التسيب، إن ثبتت مظاهرها، لا يتحقق بحماية المواقع أو تأجيل القرارات، بل بتطبيق القانون على الجميع، من دون انتقائية أو استثناء. وإذا أظهرت نتائج الافتحاص وجود مسؤوليات ثابتة، فلا ينبغي أن يكون موقع المسؤول أو طبيعة علاقاته سبباً في تعطيل المحاسبة.

لقد حان الوقت لكي يجيب فيصل العرايشي عن الأسئلة العالقة، وأن يجعل الشفافية وتكافؤ الفرص عنواناً لتدبير الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة. فالمغاربة لا ينتظرون صراعاً بين الأشخاص، بل يريدون مؤسسة عمومية تحترم المال العام، وتصون استقلالية القرار، وتقطع مع كل الممارسات التي يمكن أن تجعل الصفقات والانتقاءات موضع شبهة.

فهل يمتلك العرايشي الجرأة الكافية لفتح هذه الملفات حتى النهاية، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته، أم ستظل الأسئلة معلقة إلى إشعار آخر؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى